الأحد , 19 مايو 2019

جيل التعايش: بقلم الرفيق لؤي الشنقيطي.

IMG-20181225-WA0003

جيل التعايش….🔴

تفاجئت قبل اسابيع حينما فتحت مقطعاً صوتياً يحمل صورة لم أصدق أنها هي نفس الصورة القابعة في الزاويه القديمة بذاكرتي وإذا بي أسمع ذلك الصوت الشجيّ الأقرب إلى الحده إنها رباب تصدح بأغنيتها الشهيره أنذاك
(حاسب الوقت )نفضتُ غبار السنين وكررتُ سماعها أكثر من مره ثم أرسلت المقطع إلى مجموعة من الأصدقاء الذين أثق في حسهم وذوقهم الفني وقد عاصروا معي تلك الحقبه، ثمانينات القرن الماضي حينما كان العالم يتهيأ للتغير الكبير ذلك التغيير الذي قضى على ماعرف حينها بالزمن الجميل ليبدأ عصر القنوات الفضائيه والإنترنت لاحظت أن الجميع أعجب وتعجب من المقطع إلى أن سأل أحدهم سؤالاً عكّر مزاجي كثيراً وفاجأني بشده حين قال ياترى هل كانت رباب رحمها الله سنية أم شيعيه كان جوابي سريعاً صارماً قلت إسمع بأذن الثمنينات واتركنا نستمتع، إذن الزمن الجميل تلك الأذن الحساسه التي لم تكن تفرق بين السنة والشيعه عندنا في الخليج.
ولم تكن تفرق بين المسلمين والمسيحيين في مصرَ وبلاد الشام وإنما هي أذنٌ كانت تبحث عن الأجمل لم تفتش في عقائد خلق الله ولم تنبش الأموات من قبورهم لمحاكمتهم بالمناسبة كان أباؤنا حفظ الله الأحياء ورحم الأموات يطربون لأصوات المشايخ عبدالباسط عبدالصمد والحصري والمنشاوي والميمني وعبدالله خياط وابن صالح رحمهم الله جميعا رحمة واسعة والذين كنا نفيق صباحاً على أصواتهم ولم نكن نعلم هل هم من السلفية أو الصوفيه أو من الشيعه حتى، كانوا جزاهم الله خيراً يحثوننا على سمعاهم بدل الغناء لكراهته عندهم ولم يقدحوا في تدينهم ولم ينصبوا لهم محاكم التفتيش بسبب حلق اللحية أو التصوف.

رباب لمن لايعرفها عراقيه الجذور ولدت عام 1949م في البصره جاء والدها للكويت وهي لم تكمل عامها الأول عاشت وتعلمت في الكويت ليذيع صيتها في منتصف السبعينات الميلاديه وقتها كانت الراحله عائشه المرطه والتي تحتل المرتبة الأولى لينشب صراع بين الفنانتين يشبه إلى حد بعيد صراع منيره المهديه وأم كلثوم ليغيّب الموت المرطه ولتتربع رباب الشابه الواعده أنذاك على عرش الغناء النسائي في الخليج منتصف الثمانينات حتى لقبت بكوكب الخليج ذلك الكوكب الذي هوى بعد غزو العراق للكويت عام1990م وبعد أشهر تحررت الكويت ليتحول كل شيئ بالمنطقه وبسرعه وتطرد رباب من الكويت وتسحب منها جنسيتها وكل ذنبها أنها غنّت لصدام حسين رحمه الله قبل الغزو بعامين ومن منا نحن العرب لم يفرح لانتصار العراق والأمة العربية المجيده بقيادة فارس البوابة الشرقيه على إيران في تلك الحرب الطاحنه رغم تحفظ البعض على حجم ذلك الانتصار .
بعد طردها من الكويت حصلت على جواز سفر عراقي وتنقلت في عدة دول إلى أن حطت طائرتها بالإمارات ويبقيت هناك لعقدين من الزمن وحيدة صامتة بعلاقات محدود تتجرع ألامها بسبب هول الصدمه التي ألمت بها جراء تخلي بلدها عنها بتلك الطريقة المشينه لترحل عن دنيانا في صمت مطبق عام2010م بعد تدهور حالتها الصحيه بالشارقه، للأسف كانت ككثيرين من المبدعين العرب ضحية تهور سياسي من هنا وردت فعل خاطئة من هناك .

كانت رحمها الله صاحبة صوت شجيّ يحمل في طياته الكثير من الحزن والشجن أعرف شخصياً عشاقاً في الثمانينات جمعهم ذلك الصوت ليصبحوا في مابعد أزواجاً من ذلك الجيل المميز جيل الطيبيين كما يسمينا أبناء هذا الزمن والذين يتندرون ببساطة حياتنا تلك التي ذهبت ولن تعود إلا أننا لازلنا نحنّ إليها كلما نُكأتْ الجراح وخرجت الذكريات من بين شقوق جدران الذاكره .
آخر من رحلوا من نجوم تلك الفتره النجم عبدالحسين عبدالرضا رحمه الله والذي فجع به المجتمع الكويتي والخليجي المعتدل لنفاجأ أيضاً بأقلية جاهلة متخلفه حاقده تحرم الترحم عليه رحمه الله رحمة واسعه نجم( درب الزلق وباباي لندن وسوق المقاصيص وعشرات الأعمال المميزه) ردت الكويت حكومة وشعباً بتشييع شعبي ورسمي مهيب لم يفرق بين شيعي وسني ليخرسوا مثيري الفرقة والفتنه ويعيدوهم إلى جحورهم النتنه في إنتظار فاجعة أخرى يطلون علينا منها بوجوههم القبيحة الكالحه كالعاده .

في الحقيقة كثرت وسائل التواصل وكثر الأقزام والجهله لدرجة أني أذكر قبل عامين أن راسباً في كلية الشريعه وصف شيخنا وشيخ العالم الإسلامي العلامه عبدالله بن بيّه بأوصاف لاتليق بسبب إباحته للإحتفال بالمولد النبوي الشريف،الشيخ الذي أسلم على يده الالاف من البشر ينتقده قزم نكره يختبئُ وراء قطعة من المعدن، جيلنا كان يحترم العلماء وإن لم يقتنع بفكرهم لأنه تربى على التعايش وحب الحياه .

أشكر أبا أسامة كثيراً على سؤاله الذي أخرج هذه الفكره التي ظلت تجول في خلدي عدة أسابيع رغم معرفتي بأن السؤال لم يكن إلا من باب مناكفة الأصدقاء فأنا ألجأ إليه أحياناً في مايختص بالثقافه .

أخيراً أترحم في هذه الأيام الفضيله على موتى أهل القبله رحمهم الله رحمة واسعه واسكنهم فسيح جناته .

5/12/1438
27/8/2017
مطالعات الرفيق 😎