الأحد , 24 مارس 2019
علمتني الشاشة في مرحلة الطفولة  : مقال للكاتب الكبير المفتش  بديه ولد محمدو سالم.

علمتني الشاشة في مرحلة الطفولة : مقال للكاتب الكبير المفتش بديه ولد محمدو سالم.

علمتـــني الشاشة

في مرحلة الطفولة

 

بقلم / بديـه ولد محمدو ولد سالم

علمتـــني الشاشة أسمى معاني المحبة والوفاء للشاشة..علمتني كيف أحبها من أعماقي، لأنها علمتني أن ألأحلام وردية، وأن وجهها الساحر كالشموع التي تنير دروب اليافعين واليافعات..أشتاق إليها بكرة وعشيا..تجوب ذاكرتي ذهابا وإيابا وأنا في حجرة الدرس كالباعة المتجولين في ” نقطة ساخنة”، ولولا سماعات الهاتف المنغرسة في أذنيَ، لما تحملت تلك الساعات الطويلة التي أقضيها في المدرسة، ولولا الموسيقى التي تنساب خلسة من جيبي إلى أعماق جمجمتي، لما تحملت شرح المعلم الطويل الذي يتراءى أمامي وكأنه مقدم النشرة بلغة الإشارة..!

علمتني الشاشة أنها الأم الثانية، البديلة، اللطيفة، المرحة.. التي أترقب عودتي إليها دائما من المدرسة، لأتخلص من تلك المحفظة الجاثمة على كتفي، لأقضي ساعات لطيفة جميلة، أستمتع خلالها بهمس الكلمات، وسحر الابتسامات، وعذب الرقصات والاشهارات، والجديد في الملاعب والموضة والمغامرات، وما لذ وطاب من الأغاني والأفلام والمسلسلات
علمتني الشاشة الكثير والكثير..علمتني لهجات متعددة، ومصطلحات متنوعة، وتقنيات حديثة متطورة .. عززت رصيدي من اللغة الفصحى، وفتحت عيوني على هذا الكون الفسيح، وحياته الصاخبة .. أدخلتني عالم الكبار، كشفت النقاب عن اهتماماتهم، ومشاعرهم، وعلاقاتهم العاطفية، ما ظهر منها وما بطن..!

علمتني الشاشة كيف أطير عاليا في سماء الخيال، أمعن في التحليق والطيران، لأكتشف عوالم جديدة من الخيال.. ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر
علمتني الشاشة أن بعض أفراد الأسرة يؤجل صلاته إلى أن ينتهي المسلسل خشية أن تفوته اللقطة الأخيرة.. كما تعلمت أن الوالدين يسمحان بذلك.

علمتني الشاشة أن الله لطيف بي، ومن لطفه الواسع بي أنه لما أصبح أبي مهموما، وأمي مشغولة، سخر الله لي هذه الشاشة، محمولة في الجيوب، وعلى الأكتاف، ومقيمة في الخيام و”الكزرات” والمنازل والمكاتب، ومنتصبة في الشوارع والطرقات ..لتصبح والدي الثالث الذي يؤنسني، ويربيني، ويعلمني، ويسليني، يطيعني ولا يأمرني

علمتني الشاشة أن الكون كتلة واحدة، وأن الهوية واحدة، وأن الذوق واحد، وأن قيم الشعوب تسير نحو التجانس .. وأن الجمال التي كنت أصنع من الطين، والأكواخ التـي كنـت أبنـي من الرمـــل والطـــــين، و”الأوزار” التي كانت تصنعها أختي الصغيرة.. كل هذه الألعاب وغيرها ذابت في الشاشة.. كما علمتني أيضا أن العالم مترابط ومتكامل، وأنه يسعى لتعميم نمط حضاري واحد، يرتكز على قيم العدل والحرية والتسامح والديمقراطية.. غير أنها علمتني كذلك أن الروابط الاجتماعية بدأت تلملم أوراقها استعدادا للرحيل نحو المتحف الوطني أو المجهول..!
علمتني الشاشة أن أصدقائي في “الكزرة” والرياض، وتفرغ زينة، ولوس أنجلوس، وشنكهاي، ومكة المكرمة، وكنكوصة، واسطنبول..كلهم أصدقاء، يتبادلون الرسائل، ويقومون بالدردشة عبر الفيسبوك Facebook وسكايب Skypeوغيرهما، ويمكن لأحدهم أن يشمت لصديقه إذا عطس، في الوقت الذي لا يسمعه