الطب والأدب ارتباط قديم وانفصال عابر بقلم : د/ محمد (الراجل) أمدن

 

المبدع الحقيقي هو القادر على تقديم تجاربه الإنسانية وآرائه الفكرية بشكل أمثل لأخيه الإنسان. وتحتفظ الذاكرة العربية بصفة خاصة والإنسانية بصفة عامة بمدعين كُثْر وعباقرة كبار تعددت مواهبهم ومزجوا بين شتى المجالات الثقافية والعلمية ممن تركوا بصمات خالدة وجلية كثيرا ما استفاد منها الباحثون والمختصون.

وفي عالمنا العربي بصفة أخص و منذ ظهور الإسلام أصبح الإنسان عبارة عن موسوعة علمية متنقلة ينهل الجميع منها دون استثناء، يرتبط الإنسان فيها بكل العلوم لترتبط العلوم فيما بينها من خلاله. ونجد الارتباط بين الطب والأدب أشد وضوحا منه بين باقي العلوم.

فعلوم الصحة نتيجة لتعقيداتها تحتاج إلى أدب رفيع يساهم في إيصالها وتذوقها ، وتذوق أسلوب أدبي ما بغض النظر عن موضوعه يعطي راحة نفسية للقارئ قد تسهم في فصله ولو مؤقتا عن هموم قد تقوده إلى عقد نفسية خطيرة.

ولا مراء في أن الأسلوب الرصين والعبارات الرقيقة الجياشة لهما دور مهم في إيصال المعلومة بشكل أسهل للمعني بها ، وهذا ما يجعل المستوى الأدبي مسؤولا من ناحية أخرى عن تحسين المستوى الصحي وتذوق علومه باستمرار. وإذا كان الطب في الأساس ميدانا لعلاج الأبدان فإن الأدب له أثر طيب في علاج النفوس وهذه دائرة من دوائر التقاطع بين الاثنين.

والذوق الأدبي الجيد يثري تجربة الطبيب ويجعل منه قارئا باستمرار، والطبيب بشر له مشاعره وأحاسيسه ويحتاج إلى التعبير الأدبي الصادق باعتباره البوابة الوحيدة لإيصال رأيه إلى من حوله.

والعرى الرابطة بين المجالين الأدبي والطبي قديمة قدم الاثنين. وكثيرا ما أتيح للأطباء الجمع بينهما جاعلين من ذلك مزيجا يصب في مصلحة الطرفين وقد تجلى ذلك مع ظهور أفلاطون وسقراط وأرسطو وابقراط وجالينوس وصولا لعصرنا الحالي.

وفي تاريخنا العربي نجد توأمة حقيقية لعل أبرز ملامحها ما جسده كل من ابن سينا، الرازي، الفارابي ، ابن شهيد الأندلسي، قتيبة الشهابي والقاسم بن عساكر. ومن أمثلة الارتباط الجلية في العصور الأخيرة ما جسده بوضوح الطبيب الشاعر إبراهيم ناجي الذي وصفه طه حسين بأنه “طبيب الأدباء وأديب الأطباء”، وقد كان شاعرا رقيقا حتى وإن قال فيه طه حسين ما قال على وجه النقد. ومن تلك الأمثلة في العالم الخارجي الطبيب والكاتب الفرنسي جورج ديهاميل الذي يبرر الظاهرة قائلا ” إن اشتغال الأطباء بالأدب ظاهرة تلتمس أسبابها من طبيعة المهنة الطبية نفسها التي تتيح الفرصة للمنشغلين بها أن يشاهدوا عن قرب عددا وافرا من النماذج البشرية وهي تعاني آلام المرض وسكرات الموت”.

وتشكل المطالعة بصفة عامة إحدى أهم أدوات تهذيب الأخلاق ويعتمد عليها الطبيب في تهذيب سلوكه ومعرفة الطريقة المثلى لامتصاص أي غضب قد يفجره تصرف طائش قد يقدم عليه المريض أو أحد مرافقيه. كما أنها تساعده على تذكر معلوماته والاستفادة منها بشكل أمثل وهذا ما يشير إليه الطبيب السوري محمد أحمد الصالح حين يقول “أن من يقرأ ويتثقف يعرف كيف يتصرف مع الآخر بحكمة ودراية لأن الكتابة رافع للأخلاق” ويصف الطبيب الكاتب والمفكر الإسلامي مصطفى محمود الطب والأدب بأنهما وجهان لعملة واحدة ويعلل ذلك بكون الطبيب يحضر لحظة الولادة ولحظة الوفاة وهذا بالضبط ما يبحث عنه الأديب والفيلسوف .

وممارسة الطبابة تسمح للطبيب أن يتعرف على الطبيعة الإنسانية كما هي خالية من أي مؤثر طارئ قد يجعلها أكثر ضبابية وغموضا كالصحة أو الجاه والمال، وهذا ما يشير إليه الطبيب والكتاب المسرحي سمرست موم في كتابه “الخلاصة ” فيقول ” إنك قد تعرف الكثير عن الطبيعة الإنسانية في مكتب المحامي ولكنك تلتقي هناك بأناس كاملي السيطرة على أنفسهم، أما الطبيب فيستطيع أن يدرس طبيعة الإنسان عارية مجردة، إذ أن المرض يزيل كل تظاهر وكل تكلف”.

وفي الوقت الذي ينظر الجميع إلى الطب بوصفه الجهة المعالجة لأي داء يصيب الإنسان فإن الأدب يظل هو المرآة العاكسة للحالة الإنسانية وما يحيط بها أو تحويه من مشاعر المحبة والسعادة وما يخالجها من قلق أو اطمئنان وهذا يكفي لشرح الدور التكاملي بين الاثنين.

والذين يرفضون فكرة تعدد المواهب يقعون في نوع من السذاجة، وكأن اليد التي استطاعت أن تحمل المشرط أو تكتب وصفة طبية لا تستطيع كتابة قصيدة أو قصة أو مقال، ناسين أو متناسين أن المزاوجة بين الاثنين تكاد تكون هي الأصل. وعن ذلك تقول الدكتورة هيفاء بيطار ” لا يوجد شرخ على الإطلاق بين الطب والكتابة ، على العكس حدث تزاوج ناجح بينهما فكلاهما موضوعه الإنسان. ويذهب الأديب الشهير وطبيب الأسنان المصري علاء الأسواني صاحب روايتي ” عمارة يعقوبيان” و”شيكاجو” إلى أن مهنة الطب هي أكثر المهن التي أعطت أدباء ويصف المهنتين بأنهما وجهان لعملة واحدة مهمتها مداواة الإنسان.

وكثيرون جدا أولئك الذين لم يخسرهم الطب وربحهم الأدب وعلى رأسهم الروسي انطوان تشيخوف أحد أفضل كتاب القصة القصيرة على مستوى العالم والذي كان يقول “الطب زوجتي والأدب عشيقتي” ، ومن فرنسا يطل علينا الوجه الأدبي المرموق الطبيب المعاصر الجزائر المولود مارك زفران بكتابات أدبية غلبت على شهرته الطبية رغم ما لها من نجاح ويكيفنا كتابه الشهير “الأطباء الثلاثة” كمثال على ذلك .

وتزخر ساحتنا العربية بأمثلة تنافس ما ذكرناه في الجودة أحيانا كثيرة وفي الشهرة أحيانا أخرى ومن الأمثلة على ذلك د/ محمد كامل حسين الذي أقحمته روايته (قرية ظالمة) في طليعة الأدباء والروائي السوري الشهير عيد السلام العجيلي والمغربي ” السفير الخالص” مهدي بن بركة والجزائرية آسيا موساوي .

وأما الساحة الموريتانية فقد جادت بأمثلة أعطت عطاء متميزا وجديرا بالذكر نذكر منهم الشاعر الشيخ المشري الذي يذكر كثيرا مع كبار شعراء البلد كالنائب أحمد عبد القادر والمفكر والأديب الشيخ الخليل النحوي والأمير أبو شجة وغيرهم من كبار الأدباء كما أن د/ أحمد ولد السيد رئيس السلك الوطني للأطباء والصيادلة وجراحي الأسنان كثيرا ما تعرف عليه القراء من خلال أعمدته الرائعة والنادرة في الجودة، كما يعتبر الصحفي اللامع الممرض حبيب الله أحمد وجها آخر من أوجه الارتباط بين المجالين في ساحة شنقيط “، ولمعالي وزير الصحة الحالي (د/ الشيخ المختار حرمه) كتابات أدبية كثيرا ما انبهر بها القراء –بغض النظر عن الاتفاق معه في وجهة النظر من عدمه- وتداولها الأدباء كنصوص في صلب التخصص. وقد كان العديد من أطبائنا التقليديين القدامى أدباء، ومنهم الطبيب المشهور أوفى صاحب نظم العمدة في الطب.

والفصل بين المجالين محليا راجع إلى سيطرة الأجانب على المجال الصحي لفترات طويلة حتى ظن البعض قياسا إلى جهلهم باللغة والأدب أن جهلهما شرط لممارسة الطبابة، وبدا من شبه المجمع عليه أن الطبيب أيا كان لا يحسن التحدث بالعربية بل يصعب عليه حتى فهمها وهذا خلاف الواقع ، فإن جمهرة كبيرة من الأطباء خصصوا حيزا واسعا من حياتهم العلمية للنهل من درر اللغة ورقائق الأدب وركبوا زوارق العلم في كل الاتجاهات وتعطشوا لمختلف العلوم واستوعبوها كما استوعبها الآخرون في كل العصور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى